ابن عبد البر
191
الدرر في اختصار المغازي والسير
وليسوا من قريظة والنّضير ، نزلوا مسلمين ، فأحرزوا أموالهم وأنفسهم . وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى [ القرظىّ ] ( 1 ) ومرّ بحرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة وكان قد أبى أن يدخل فيما دخل فيه بنو قريظة وقال : لا أغدر بمحمد أبدا ، فقال له محمد ابن مسلمة إذ عرفه : اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام . فخرج على وجهه حتى بات في مسجد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثم ذهب فلم ير بعد / ولم يعلم حيث سقط . وذكر - لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أمره ، فقال : ذلك رجل نجّاه اللّه بوفائه . فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتواثب الأوس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا : يا رسول اللّه قد علمت أنهم حلفاؤنا ، وقد شفّعت عبد اللّه ابن أبىّ بن سلول في بنى قينقاع ( 2 ) حلفاء الخزرج ، فلا يكن حظّنا أوكس وأنقص عندك من حظ غيرنا ، فهم موالينا . فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فذلك إلى سعد بن معاذ . وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد ضرب به خيمة في المسجد ، ليعوده من قريب في مرضه من جرحه الذي أصابه في الخندق . فلما حكّمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار ، وقد وطّئوا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما . ثم أقبلوا معه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأحاطوا به في طريقهم يقولون : يا أبا عمرو أحسن في [ مواليك ] فإنما ولّاك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك لتحسن إليهم ، فقال لهم : قد آن لسعد أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم فرجع بعض من معه إلى ديار بنى عبد الأشهل فنعى إليهم / رجال بني قريظة . فلما أطلّ سعد على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال للأنصار : قوموا إلى سيدكم ( * ) فقام المسلمون ، فقالوا يا أبا عمرو
--> * قلت : واختلف في اطلاق السيد في حق الخلق فقيل : لا يجوز ، وجاء في الحديث أنهم قالوا له عليه السلام : يا سيدنا ، فقال : انما السيد اللّه . وقيل يجوز لحديث سعد هذا . وكذلك اختلف في جواز اطلاقه في حق اللّه تعالى ، فأجازه قوم لقوله : انما السيد الله . ونقل عن مالك منعه ولم يصحح سند الحديث المتقدم ، وقال بعضهم : السيد أحد ما يضاف إليه ، فلا تقول لتميمى أنه سيد كنده ، وانما سيد كندة أحدهم . قال : فعلى هذا يحمل المنع في حقه تعالى إذا أطلق ، حيث لا يجوز الدخول في الإضافة فلا تقول : الله سيد الناس . ويجوز أن تقول اللّه سيد الأرباب وسيد الكرماء ! واللّه أعلم ( 1 ) زيادة من ابن هشام ( 2 ) هكذا في جميع المصادر وفي الأصل بنى النضير .